مركز الثقافة والمعارف القرآنية
516
علوم القرآن عند المفسرين
مستمرا يسمع الأجيال ويحتج على القرون . الثاني : ان الشرائع السابقة منتهية منقطعة ، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها ، لانقطاع زمان المعجزة التي شهدت بصدقها « 1 » ، ثم إن القرآن يختص بخاصة أخرى ، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون ، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر « 2 » ، وسوقهم إلى غاية كمالهم . فان القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب الجفاة الطغاة ، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الأصنام ، والمشتغلين - عن تحصيل المعارف ، وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية ، والمفاخرات الجاهلية فتكونت منهم - في مدة يسيرة - أمة ذات خطر في معارفها ، وذات عظمة في تاريخها ، وذات سمو في عاداتها . ومن نظر في تاريخ الإسلام وسبر تراجم أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله المستشهدين بين يديه ، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته ، وكبير أثره ، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال ، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين واحياء الشريعة ، ولا يعبئون بما تركوا من مال وولد وأزواج . وإن كلمة المقداد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر - شاهد عدل على ما قلنا : « يا رسول اللّه امض لما امرك اللّه فنحن معك ، واللّه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خيرا ، ودعا له بخير » « 3 » . هذا واحد من المسلمين ، يعرب عن عقيدته وعزمه ، وتفانيه في احياء الحق ، وإماتة الشرك . وكان الكثير منهم على هذه العقيدة ، متدرعين بالإخلاص . إن القرآن هو الذي نور قلوب أولئك العاكفين على الأصنام ، المشتغلين بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية ، فجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم . يؤثر أحدهم
--> ( 1 ) انظر في قسم التعليقات محادثة علمية جرت بين المؤلف وبين حبر يهودي يتصل بهذا الموضوع في البيان ص 500 . ( 2 ) انظر قسم التعليقات لمعرفة الحاجة إلى ترجمة القرآن وشروطها في البيان ص 501 . ( 3 ) تاريخ الطبري غزوة بدر ج 2 ص 140 الطبعة الثانية .